قصة الثلاثاء · العدد رقم 2 · قراءة 12 دقيقة

التفوّق على الكبار باستخدام البيانات: انتصار بـ500 ألف دولار

اكتشف فريق أوكلاند إيه (Oakland A) مهارةً كانت الأندية كلها تقلّل من قيمتها، ففاز بـ103 مباريات بميزانية لا تتجاوز ربع ما أنفقه يانكيز (Yankees)، ثم ترك لكل من يعمل بالبيانات درسًا لا يُطبع على الملصقات: الميزة تدوم فقط إلى أن يعرف الجميع سرّها.

اقرأ بـEnglish

يونيو 2002، أوكلاند. في غرفة بلا نوافذ داخل ملعب الكولوسيوم، كان فريق أثليتكس يخوض ليلة اختيار اللاعبين الجدد، لكن الغرفة نفسها كانت تعيش حربًا داخلية. في جهة، كان كشّافو المواهب؛ رجال أمضوا عقودًا في قراءة أجساد اللاعبين وحركاتهم عند الضرب، يتحدثون عن «الوجوه الجيدة»، ويستطيعون أن يخبروك أي مراهق يبدو من هيئته وكأنه لاعب يستحق مكانًا في دوري المحترفين. وفي الجهة الأخرى: المدير العام بيلي بين، ومساعده بول ديبوديستا، وحاسوب محمول. كان الحاسوب يواصل طرح أسماء لاعبين بالكاد شاهدهم الكشّافون، ضاربين جامعيين بطيئين وغير رشيقين، يجمع بينهم شيء واحد فقط عند وقوفهم على منصة الضرب. كان مايكل لويس موجودًا في الملعب ذلك الربيع، يراقب من أجل الكتاب الذي سيجعل هذه الغرفة مشهورة. وبحسب روايته، كان الكشّافون يرون أن الحاسوب المحمول يفسد عملية اختيار اللاعبين من أساسها.

لكن الصراع كان أقدم من تلك الغرفة بكثير. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، كان حارس ليلي يُدعى بيل جيمس ينشر على نفقته كتيباته الصغيرة المليئة بالأفكار المتمردة، تحت عنوان «ملخصات البيسبول»، مجادلًا بأن اللعبة كانت تقيس الأشياء الخطأ. خذ مثلًا متوسط الضرب (batting average)، الرقم المقدّس في البيسبول. فهو يتجاهل تمامًا مرات الوصول إلى القاعدة دون ضربة (walks)، وكأن أكثر الطرق موثوقية لتجنّب الخروج لا تستحق أن تُحتسب أصلًا. كانت كتابات جيمس متاحة للجميع، زهيدة الثمن، ولها جمهور صغير يتابعها بشغف. أما القائمون على إدارة لعبة البيسبول، فتجاهلوها طوال خمسة وعشرين عامًا.

لم يكن بوسع أوكلاند أن يتجاهل ذلك. كانت ميزانيتها للرواتب نحو 40 مليون دولار، بينما تجاوزت ميزانية يانكيز 125 مليونًا. وهنا يقع الفريق الفقير في الفخ: إذا قيّمت المواهب بالطريقة نفسها التي تتبعها الفرق الغنية، فلن تصبح إلا نسخةً أسوأ منها. لم يكن أمام أوكلاند سوى أن يجد شيئًا أخطأ السوق في تقدير قيمته.

السؤال الذي طرحوه فعلًا

الفكرة أبسط مما توحي به الأسطورة. لا تسأل: «من هو اللاعب الجيد؟» فهذا هو السؤال الذي كان الجميع يجيب عنه أصلًا، بالاعتماد على الكشّافين والحدس. بدلًا من ذلك، اطرح سؤالين منفصلين، ثم قارن بين الإجابتين:

  1. ما الذي يصنع الانتصارات فعلًا؟ استخدم تحليل الانحدار لربط أداء الفريق بمهارات الضرب، وعلى رأسها نسبة الوصول إلى القاعدة (on-base percentage)، أي مدى قدرة اللاعب على تجنّب الخروج، ونسبة القوة في الضرب (slugging)، أي عدد القواعد (bases) التي يحققها عندما يضرب الكرة.

  2. كم يدفع السوق مقابل المهارات نفسها؟ استخدم تحليل الانحدار لربط راتب اللاعب بالأرقام نفسها تمامًا.

لو كان السوق ذكيًا، لتطابقت الإجابتان: المهارات التي تصنع الانتصارات ستكون هي الأغلى. لكن فرضية أوكلاند كلها قامت على رهان معاكس: أن الإجابتين لا تتطابقان، وأن هناك فجوة بين قيمة المهارة الحقيقية وما يدفعه السوق للحصول عليها. اعثر على المهارة التي تصنع الانتصارات لكنها رخيصة الثمن، وعندها يستطيع الفريق الفقير أن ينافس بالحسابات بدلًا من المال.

لاحقًا، أجرى الاقتصاديان يان هاكس وريموند ساور تحليلات الانحدار نفسها اعتمادًا على البيانات المتاحة للعامة، ونشرا نتائجهما. وهذه واحدة من أساطير عالم الأعمال النادرة التي يمكنك التحقق منها فعلًا. فلنختبرها إذن.

المنعطف

اختلف نموذجا الانحدار بشكل حاد، وكان هذا الاختلاف هو الفرصة كلها. في الانتصارات، كانت نسبة الوصول إلى القاعدة تحمل وزنًا يقارب ضعف وزن القوة في الضرب؛ وقد ربط النموذج هاتين المهارتين بتسجيل الفريق للركضات بدرجة تفسّر نحو 90%+ من التباين. بمعنى تقريبي، كان الوصول إلى القاعدة يساوي ضعف قيمة القوة في الضرب. لكن في الرواتب، كان السوق يدفع في الاتجاه المعاكس تمامًا: فقد ارتفع معامل القوة في الضرب (≈2.39) كثيرًا فوق معامل الوصول إلى القاعدة (≈1.36). مهارة أهم بمرتين في صناعة الانتصارات، ومع ذلك كان ثمنها أقل من المهارة الأكثر بريقًا. هذا الانقلاب — قيمة عالية، وسعر منخفض — هو بالضبط ما يعنيه سوء التسعير. وأوكلاند اشترت ببساطة الجانب الأرخص.

إذا أبعدنا البيسبول من الصورة، سنجد أن فريق أثليتكس (A's) اكتشف خللًا في تسعير قيمة المتغيرات داخل السوق: فجوة بين مدى تأثير المتغير في النتيجة، وبين السعر الذي يطلبه السوق مقابل هذا المتغير. انتبه إلى هذا التكوين، لأنه قابل لإعادة الاستخدام: أنت تحتاج إلى نموذجين، لا نموذجًا واحدًا. نموذج للـهدف، أي ما الذي يقود إلى الفوز، ونموذج للـسعر، أي ما الذي يدفعه السوق. نموذج واحد وحده لا يستطيع أن يكشف صفقة رابحة؛ فالصفقة الرابحة هي اختلاف بين نموذجين. والمفارقة الأهم: لم يحتج ديبوديستا إلى بيانات سرية. كل مرة وصل فيها لاعب إلى القاعدة دون ضربة (walk) كانت موجودة في سجلات المباريات المتاحة للجميع. الميزة لم تكن معلومة لا يملكها أحد؛ بل كانت طريقة لتقييم تلك المعلومة لم يكلف أحد نفسه عناء تطبيقها.

وماذا اشترت لهم تلك الفجوة في جدول الترتيب؟ حوّلها أوكلاند إلى انتصارات بتكلفة تقارب نصف مليون دولار للانتصار الواحد، أي واحدة من أرخص تكاليف الانتصار في البيسبول، وفاز بـ103 مباريات في 2002، معادلًا رقم يانكيز العملاق بربع ميزانيته. ولم يكتفِ فريق 2002 بذلك، بل حقق 20 انتصارًا متتاليًا، في رقم قياسي للدوري الأمريكي. صدر كتاب لويس في 2003، ثم جاء الفيلم في 2011، وخرج مصطلح «Moneyball» من عالم البيسبول ليصبح التعبير اليومي عن التفوق على الكبار باستخدام البيانات.

لكن هذه القصة تستحق مكانها في منشور يُعني بالجدية بسبب ما حدث بعد ذلك تحديدًا، وبسبب نقطتين مهمتين تتجاهلهما الرواية الشائعة.

أولًا، الاستدراك الصادق: جادل الاقتصادي ستيفن ليفيت وآخرون بأن المحرك الحقيقي لأوكلاند كان ثلاثي رماة البداية من الطراز الأول، وقد عثر عليهم الفريق، للمفارقة، بالطريقة التقليدية القديمة. لذلك لم تكن انتصارات الفريق نتيجة عامل واحد؛ كانت هناك تفسيرات أخرى متشابكة معها. أما ما صمد بوضوح أمام تحليلات الانحدار، فهو الادعاء الأضيق: أن السوق كان يدفع أقل من القيمة الحقيقية مقابل مهارة الوصول إلى القاعدة (on-base skill). ثانيًا، والأهم: انتهت الصفقة. وجد هاكس وساور أنه بحلول 2004، وفي الوقت نفسه تقريبًا الذي كان فيه الكتاب ينتشر بين مكاتب إدارات الأندية، قفز معامل راتب الوصول إلى القاعدة في السوق، وقدّرت دراستهما قيمته بنحو 3.68، واختفى الخصم تقريبًا بين ليلة وضحاها. اشترت فرق أكثر ثراءً، مثل بوسطن، الفكرة نفسها لكن بأموال أكثر، وفازت بالألقاب. انتهت الميزة من فرط شهرتها. وحتى هذه الخلاصة محل نقاش؛ فدراسات لاحقة اعتمدت على بيانات العقود الجديدة تشكك في مدى اكتمال استجابة السوق. وهذا وحده يخبرك بمدى صعوبة إثبات عبارة من نوع: «السوق تعلّم الدرس».

وهناك إحراج آخر، هادئ لكنه كاشف، في هذه القصة. فاختيارات 2002 الشهيرة، التي احتدمت حولها المعركة داخل الغرفة، واللاعبون الذين اختارهم الحاسوب بعناية واحتفى بهم الكتاب، فشل معظمهم. كان النظام محقًا بشأن السوق، ومع ذلك أخطأ كثيرًا في الحكم على اللاعبين الأفراد. أن تكون محقًا في المتوسط، ومخطئًا في أي اختيار بعينه، هو بالضبط ما تبدو عليه المراهنة على ميزة إحصائية من الداخل. وهذا الشعور بعدم الارتياح لا يختفي أبدًا.

بعد أربعة وعشرين عامًا، باتت فرق التسعير، ومكاتب التداول الكمي، وفرق النمو، كلها تعمل وفق وصفة بيلي بين، وترث معها تاريخ انتهاء صلاحيتها. وهذا هو الجزء الذي سأعلّقه على الحائط: الفكرة تبدأ في الموت لحظة أن تنشرها. حيلة نمو أثبتتها اختبارات A/B، أو عامل ألفا في ورقة بحثية، أو صياغة ذكية لطلبٍ انتشرت في سلسلة رائجة، كلها تشبه نسبة الوصول إلى القاعدة في 2003: ميزة تبدأ قيمتها في التسرب لحظة مشاركتها. ما بقي لم يكن الاكتشاف نفسه، بل العادة التي واصلت إنتاج الاكتشافات — أن تعيد اختبار النموذجين مرة بعد مرة، وتراقب أين بدأت الفجوة تتسع مجددًا بين القيمة والسعر. هذا السؤال لا تنتهي صلاحيته. وفي منطقتنا، حيث لا تزال قطاعات بأكملها تتخذ قراراتها استنادًا إلى مؤشرات بديلة، لم يربط أحد منذ سنوات النتائج بالهدف الحقيقي عبر نموذج انحدار؛ والفجوات ما زالت مفتوحة على مصراعيها، والحواسيب المحمولة رخيصة.

كتب بيل جيمس الإجابة في كتيّب مستنسخ عام 1977. احتاج السوق إلى خمسة وعشرين عامًا حتى يُدرك قيمتها ويعطيها سعرها المناسب؛ ثم احتاج نحو ثمانية عشر شهرًا فقط حتى يمحو هذه الميزة من حساباته.

إذًا، إليك سؤال هذا الأسبوع: ما هو «متوسط الضرب» (batting average) في قطاعك؟ ذلك المقياس المقدّس الذي يطارده الجميع، بينما لم يكلّف أحد نفسه مؤخرًا عناء اختبار مدى ارتباطه بالهدف الحقيقي؟

المصادر وقراءات إضافية

  1. مايكل لويس، Moneyball: The Art of Winning an Unfair Game، دار W. W. Norton، 2003 — المصدر السردي المباشر والأساسي، بما في ذلك مشاهد غرفة اختيار اللاعبين في 2002.

  2. يان ك. هاكس وريموند د. ساور، «An Economic Evaluation of the Moneyball Hypothesis»، Journal of Economic Perspectives، المجلد 20، العدد 3، 2006 — اختبار الانحدارين، ومعاملات الرواتب التي أظهرت تفوق قيمة القوة في الضرب على نسبة الوصول إلى القاعدة قبل 2004، ثم تصحيح السوق بعد صدور الكتاب.

  3. هاكس وساور، «The Moneyball Anomaly and Payroll Efficiency: A Further Investigation» (2007) — نموذج الانتصارات الذي وجد أن نسبة الوصول إلى القاعدة تساوي تقريبًا ضعف قيمة القوة في الضرب، واختبارات الانقطاع الهيكلي التي حدّدت توقيت تصحيح السوق.

  4. هولمز وسيمونز وبيري، «Moneyball and the Baseball Players' Labor Market» (2018) — أدلة مضادة حول مدى اكتمال استجابة السوق وتصحيحه.

  5. السجال بين ليفيت وساور حول دور الرمي مقابل الضرب باعتباره المحرك الحقيقي لأوكلاند (2005–2006) — نقاش العامل المربك، كما حُفظ في مدونة The Sports Economist.

شاركلينكدإنإكسواتساب

لديك قصة تستحق أن تُروى؟

اعرضها علينا — القصص المنشورة تحمل اسم كاتبها في العدد.

اعرض قصة
أيضًا في العدد رقم 2نصائحاجعل عنوان الرسم يقول ما تثبته البيانات
اقرأ

اشترك في مجلة بيتافولد

التفوّق على الكبار باستخدام البيانات: انتصار بـ500 ألف دولار — مجلة بيتافولد